الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 22:21
آية الله الأعرافي: استشهاد الإمام الخامنئي يحمل رسائل كبرى لإيران والأمة الإسلامية.. والمشاركة الواسعة في التشييع تؤكد استدامة نهجه

وكالة الحوزة - أكّد آية الله عليرضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية الإيرانية، في رسالةٍ بمناسبة تشييع الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، أن استشهاده يحمل رسائل كبرى لإيران والأمة الإسلامية، ودعا إلى مشاركة واسعة في مراسم التشييع لتكون حدثاً فريداً يعكس مكانته العالمية، وتؤكد استدامة نهجه.

وكالة أنباء الحوزة - أصدر آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، رسالةً مهمّةً واستراتيجيّةً بمناسبة أيّام الوداع والتشييع التاريخيّ للجثمان الطاهر للشهيد سماحة آية اللّه العظمى الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، تناول فيها الرسائل والدلالات التي يحملها استشهاد الإمام الشهيد لإيران والعالم الإسلاميّ وجميع أحرار العالم، وجاء فيها ما يلي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]

يا أمّة الإسلام الكبرى، ويا أحرار ومستضعفي العالم، ويا أيّتها الشعوب اليقظة والضمائر الحيّة في مختلف أنحاء العالم،

إنّ العالم الإسلاميّ، بل البشريّة المتعطّشة إلى العدالة بأسرها، تقف اليوم في حداد شخصيّةٍ شامخةٍ لم تكن تنتمي إلى حدودٍ جغرافيّةٍ أو إلى شعبٍ بعينه، بل كانت تُعدّ رصيدًا مشتركًا للأمّة الإسلاميّة وامتدادًا لخطّ الأنبياء والأولياء.

إنّ الاستشهاد المظلوم للقائد الحكيم، والمرجع الدينيّ الكبير، وربّان الثورة الإسلاميّة، سماحة آية اللّه العظمى السيّد علي الحسينيّ الخامنئيّ (أعلى اللّه مقامه)، ليس حدثًا يمكن فهمه ضمن نطاقٍ جغرافيٍّ محدودٍ؛ بل يجب قراءته في إطار معادلات العالم الإسلاميّ، وفي أفق التحوّلات البشريّة الكبرى التي يشهدها العالم. لقد كان ذلك الرجل العظيم شخصيّةً استثنائيةً اجتمعت فيها أسمى الفضائل وأرفع الخصال، وانعكست آثار تلك الشخصيّة الفذّة في إيران والعالم، فأعادت تشكيل كثيرٍ من المعادلات الدوليّة وأسهمت في تحقيق إنجازاتٍ متعدّدةٍ وعزّزت مكانة إيران وأمّة الإسلام.

لقد كان الإمام الشهيد أسوةً في التفكير العالميّ، إذ تجاوزت رؤيته الحدود القوميّة والوطنيّة، وأرست خطابًا عالميًّا جعل من القيم الإنسانيّة المشتركة، وكرامة الإنسان، والعدالة، ومواجهة الاستكبار لغةً جامعةً تتجاوز الحدود. وكان يمتلك فهمًا عميقًا للتحدّيات والتهديدات العالميّة، ويخاطب العالم بلغةٍ تنسجم مع عصر الحضارات ومتطلّباته. أمّا اللاهوت الذي قدّمه، فكان لاهوتًا عالميًّا تحرّريًّا، يعيد اللّه إلى صميم حياة المستضعفين، ويجعل من الإيمان قوّةً لتحرير الشعوب وصون كرامتها. واندرجت مكانته السامية في المرجعيّة الدينيّة ضمن هذا المسار؛ فقد قدّم نموذجًا للمرجعيّة التي جمعت بين الفقاهة والشعور بالمسؤوليّة التاريخيّة، وربطت بين الاجتهاد وهموم الأمّة. وكان أبًا للشعب، وروحًا للمقاومة، وقائدًا للأمّة، ونبضًا حيًّا للشعب.

إنّ الجريمة النكراء التي ارتكبها المجرمون في الولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ، والتي أدّت إلى هذا الاستشهاد، كانت- بحسب التصوّر المظلم لمخطّطيها- تستهدف توجيه ضربةٍ قاصمةٍ إلى جسد هذه النهضة، وهذا الشعب، وهذه الحكومة، والتسبّب في انهيارها المفاجئ. وهنا يتجلّى أحد أبرز أبعاد عظمة قيادته؛ فقد أمضى سنواتٍ طوالًا في بناء الأمّة وبناء الحكومة، ولم يربط الناس بشخصه، بل ربطهم بربّهم وبالمبادئ والأهداف السامية الباعثة على القوّة والحياة. إنّ الزعماء الذين يؤسّسون شرعيّتهم على الكاريزما الشخصيّة تنهار نظم شعوبهم وحكوماتهم بانهيار تلك الكاريزما، أمّا نمط قيادة الإمام الشهيد فقد كان على نحوٍ جعل كلّ شيء يسير في مسار الثبات والانسجام، على الرغم من جميع التوقّعات الاستراتيجيّة للعدوّ التي راهنت على الفوضى والانهيار. ويُعدّ ذلك شاهدًا آخر على أصالة هذه المدرسة وعمق مرتكزاتها؛ التي ربطت الناس باللّه تبارك وتعالى لا بالأشخاص.

يا أيّتها الأمّة الرشيدة! إنّ الوعي بضرورة الثأر لهذا الدم الطاهر يجب أن يبقى حيًّا ومتّقدًا في القلوب؛ لا بوصفه جذوةً عابرةً سرعان ما تخبو، بل عزيمةً راسخةً على مواصلة الطريق الذي سقاه الإمام الشهيد بدمه الطاهر. فدماء الشهداء هي منارات الهداية، والوفاء لمبادئهم وأهدافهم هي الحقيقة الأصيلة للثأر لهم. وإنّ الثأر للإمام الشهيد ليس مواجهةً عاطفيّةً أو انفعاليّةً، بل هو استمرارٌ لمقارعة الظلم والاستكبار بصيغٍ وأدواتٍ تتلاءم مع مقتضيات المرحلة، ويُعدّ من المهامّ المحوريّة والأساسيّة لجبهة المقاومة.

إنّ استشهاده يحمل لمختلف الشرائح في إيران والعالم الإسلاميّ رسائل ودلالاتٍ واضحةً:

الرسالة الأولى؛ هي أنّ الشهادة تمثّل رصيدًا استراتيجيًّا للأمّة الإسلاميّة، لا خسارةً لها، وأنّها سببٌ لذلّ الأعداء وهزيمتهم، لا إنجازًا يُضاف إلى رصيدهم. فقد توهّم الأعداء أنّ اغتيال القائد الحكيم لإيران الإسلاميّة سيكسر إرادة الشعب ويُفضي إلى انهيار عزيمته، غير أنّ السنّة الإلهيّة جرت على أن يجعل اللّه الدماء الطاهرة للشهداء سببًا في ترسيخ جذور الإيمان، وتعزيز إرادة الشعوب، وإضاءة طريق الحقّ على نحوٍ أشدّ وضوحًا. وكلّما علت منزلة الشهيد، ازدادت البركات الحاسمة التي يفيض بها استشهاده على الأمّة الإسلاميّة، وتعاظمت قدرته على إحياء روحها وإذكاء جذوة نهضتها.

الرسالة الثانية؛ هي انكسار حسابات نظام الهيمنة وفشل رهاناته. ففي هذه الحرب المفروضة الثالثة، كان العدوّ الغادر والمجرم يطمح إلى تحقيق أهدافٍ لم تكن سوى أضغاث أحلامٍ، وسرعان ما تبدّدت، ليرتدّ خائبًا ويُمنى بفشلٍ جديدٍ. فسقطت، ببركة دم الإمام الشهيد، ودماء القادة الشهداء، وشهداء ميناب، والآلاف من المضمّخين بدمائهم من أبناء الشعب الإيرانيّ الحسينيّ، جميع المخطّطات التي استهدفت تقسيم إيران، وإسقاط النظام، وإخضاع الشعب الإيرانيّ، والاستيلاء على ثرواته الوطنيّة، وتوفير الأمن للكيان الصهيونيّ، والقضاء على محور المقاومة، فتحوّلت كلّها إلى سرابٍ وتهاوت أمام صمود الشعب وإرادته.

ولم يقتصر الأمر على إخفاق العدوّ في تحقيق أيٍّ من تلك الأهداف، بل مُني أيضًا بهزائم كبرى. وإنّ تبيين الأبعاد الحقيقيّة لانهيار هيبة أكبر قوّةٍ استكباريّةٍ في العالم يتطلّب سنواتٍ من الدراسات والبحوث المعمّقة. ومن أبرز مظاهر الانتصارات الكبرى التي تحقّقت في هذه الحرب: تدمير القواعد العسكريّة الأمريكيّة في المنطقة، واستهداف المواقع الاستراتيجيّة للكيان الصهيونيّ، وتعاظم قوّة جبهة المقاومة، وإحكام السيطرة على مضيق هرمز، والنهضة الوطنيّة التي شهدها الشعب الإيرانيّ وما أظهره من وحدةٍ وتماسكٍ، وسقوط مشروع "إيران فوبيا"، واتّساع نطاق التأييد الدوليّ لإيران، وانكشاف الوجه الحقيقيّ للولايات المتحدة والكيان الصهيونيّ القاتل للأطفال، فضلًا عن بروز إيران بوصفها قوّةً عظمى على الساحة الدوليّة؛ ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

الرسالة الثالثة؛ هي تجسيد وحدة الأمّة الإسلاميّة. واليوم تشكّلت جبهةٌ موحّدةٌ تضمّ حزب اللّه في لبنان، وأنصار اللّه في اليمن، والحشد الشعبيّ في العراق، والمقاومة الفلسطينيّة، وهي جبهةٌ يجب أن تزداد اتّحادًا وانسجامًا يومًا بعد يوم. ففي زمن الفتن المعقّدة والتحدّيات المتشابكة، لا تملك الأمّة الإسلاميّة ثروةً أغلى من التضامن، والبصيرة، وتحمّل المسؤوليّة.

وينبغي إدراك أنّ هذه المرحلة تمثّل لحظةً مفصليّةً وحاسمةً في مسيرة الأمّة الإسلاميّة. فقد بدأ عهدٌ جديدٌ من اقتدار إيران والإسلام ومحور المقاومة. وهذه التحوّلات الكبرى هي ثمرة قرونٍ من الجهود والمجاهدات للعلماء الربّانيّين والشعوب الواعية، والتي بدأت من الإمام الخمينيّ الكبير (قدّس اللّه سره) واستمرّت مع الإمام الخامنئيّ الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، حتّى أثمرت إرثًا حضاريًّا يهدف إلى تحرير الأمّة الإسلاميّة والمستضعفين من معاناة قرونٍ طويلة، وإرساء أقطابٍ جديدةٍ للقوّة، وبناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة، والتمهيد لظهور شمس الولاية العظمى. وإنّ الفهم الصحيح لمعادلات هذه المرحلة وتحوّلاتها يُعدّ فريضةً تقع على عاتق جميع المخلصين والمفكّرين في الأمّة الإسلاميّة.

إنّ مراسم تشييع هذا الجثمان الطاهر يجب أن تُسجّل كحدثٍ فريدٍ يتجاوز حدود الزمان والمكان. فاجتماع الشخصيّات الطليعيّة في العالم الإسلاميّ، والرموز العالميّة، ووسائل الإعلام الكبرى في الأمّة الإسلامية، والعلماء، والمثقّفين، والمجاهدين، وأحرار العالم، من شأنه أن يسهم في إشعاع هذه الملحمة على المستوى العالميّ، وإيصال الرسائل العظمى للإمام الشهيد إلى قلوب البشر في جميع القارّات، ولا سيّما في العالم الإسلاميّ. وسيشكّل هذا الحضور الجماهيريّ العظيم، في حدّ ذاته، صرخةً مدويّةً تعبّر عن حقّانية هذا الطريق، وتجديدًا للعهد مع منظومةٍ متكاملةٍ من الإيمان، والعدالة، والاستقلال، والعزّة، والمقاومة، والأمل بالمستقبل. وسيخلق هذا التشييع صفحةً ذهبيّة خالدةً في تاريخ هذه البلاد والعالم الإسلاميّ.

وإنّني أدعو جميع فئات الشعب، والوالهين بمدرسة الإمام الخمينيّ و الإمام الخامنئيّ، وجميع المفجوعين بهذه المصيبة الكبرى، إلى المشاركة الواسعة في هذا الحدث العظيم، ليظهروا المكانة التي يحتلّها ذلك القائد العزيز في قلوب أبناء هذا الشعب الكريم، وليؤكّدوا أنّ مسيرة الثورة الإسلاميّة وذلك الإمام الشهيد ستستمرّ، وأنّ دماء أبناء الشعب الأبيّ والشهداء الأبرار لن تذهب هدرًا، وأنّ الثأر لها آتٍ لا محالة.

وفي هذه اللحظة، كيف يمكن ألّا نستحضر مؤسّس هذه النهضة الكبرى، سماحة الإمام الخميني (قدّس اللّه سرّه)، ذلك المجدّد الذي أرسى، بأفكاره السامية، أسس محور المقاومة، وأطلق مسيرة قوافل الشهداء. وقد كان الإمام الشهيد الامتداد الصادق لذلك النهج وتلك المدرسة، وظلّ ثابتًا، حتّى آخر لحظةٍ من حياته، على طريق أهداف الثورة الإسلاميّة ومبادئها، وبذل نفسه فداءً للشعب ولإيران الإسلاميّة.

واليوم، تتضاعف المسؤوليّة الملقاة على عاتق الحوزات العلميّة، والجامعات، والنخب، والمفكّرين، وأصحاب وسائل الإعلام. فالمطلوب هو تحويل هذا الحضور إلى حركةٍ ثقافيّةٍ وعلميّةٍ وحضاريّةٍ راسخة الأثر ودائمة الامتداد. إنّ واجبنا يتمثّل في تبيين الحقيقة، وصون الإرث الفكريّ، ورسم آفاق المستقبل، ومواصلة المسيرة. فالشخصيّات العظيمة في تاريخ الإسلام لا تبقى مجرّد صفحاتٍ من الماضي، بل تتحوّل إلى مدارس خالدةٍ تستلهم منها الأجيال المتعاقبة.

وجدير بالذكر أنّ استمرار طريق الإمام الشهيد يكمن في الاتّباع الصادق والواعي والمؤمن للوليّ الفقيه في هذا العصر. ويمثّل قائد الثورة الإسلاميّة، سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الحسينيّ الخامنئيّ الامتداد الواضح والمشرق لنهج الإمام الشهيد، ولأفكاره، ولنموذجه المبارك في القيادة.

ونسأل اللّه تعالى أن يرفع درجات هذا الشهيد العزيز، وأن يلحقه بأوليائه الصالحين، وأن يمنّ على الأمّة الإسلاميّة بالصبر والبصيرة، وأن يؤلّف بين قلوب أبناء الأمّة الإسلاميّة ويوحّد صفوفهم، وأن يعزّز جبهة المقاومة، ويوقظ الشعوب، ويهيّئ الأسباب لتحقيق الوعود الإلهيّة.

الطريق واضحٌ والقافلة تواصل مسيرها بثباتٍ.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]

والسلام على عباد اللّه الصالحين.

لمراجعة الرسالة باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha